وكل ذلك يجعل الفن حاملا في طبيعته للثقافة الجمالية، وتكون بالتالي رسالته في الحياة متعددة الجوانب، ومن بينها تقويم السلوك الفردي والجماعي.
وكثيرا ما نقل الأدب بعض الخاملين إلى دائرة الفعل، والإنتاجية. وبذلك يبرز دوره في توجيه الجماهير، وتنمية الأذواق. ولنا أن نتساءل عن المعين الذي يستقي منه قادة الرأي أفكارهم، وعن المنبع الثَّرِّ الذي يرتوي منه رواد الإصلاح، ويستلهمون رؤاهم، وعن المعين الذي يزود رواد التغيير بالطاقة، والحيوية في كل زمان ومكان.
ومع تطور المجتمعات وتغير الثقافات بفعل التكنولوجيا والعولمة، أصبح تأثير الثقافة على الشخصية أكثر تعقيدًا، مما يفرض على الأفراد تحقيق توازن بين القيم الثقافية التقليدية والتغيرات الحديثة.
وبذلك يظهر تغلغل ما هو ثقافي في كل المكونات المجتمعية، مما يعطي الكائن البشري وجودا حضاريا، يختلف به عن كل ما يشاركه الهواء على وجه البسيطة. وبمقدار تَمَلُّك الذات الإنسانية في طابعها الفردي، أو الجمعي لِمَا هو ثقافي بمقدار ما تحقق تميزها. الأمر الذي يجعل الثقافة ذات أبعاد أنطولوجية.
- يمكن أن تؤدي الازدواجية الثقافية إلى صراعات داخل الشخصية، حيث يجد الفرد نفسه ممزقًا بين متطلبات المجتمع الحديث والقيم التقليدية التي نشأ عليها.
تؤثر الثقافة على الشخصية بشكل مباشر من خلال تحديد القيم، والمعايير، والسلوكيات المقبولة في المجتمع. ومن خلال التنشئة الاجتماعية، يتم نقل هذه القيم إلى الامارات الأفراد منذ الطفولة، مما يشكل شخصياتهم ويحدد تفاعلهم مع البيئة المحيطة بهم.
- في المجتمعات التي تقدر الجماعية، يميل الأفراد إلى اتخاذ قرارات تراعي مصلحة الجماعة، بينما في الثقافات الفردية، يكون التركيز على القرارات الشخصية والمصالح الفردية.
وكذلك من الأمثلة التي تجعل الفرد ضمن دائرة تفكير وتأمل ومحاولة أن يقدم تفسيراً منطقياً لأسباب مشكلة أو نزاع فإنه يتبادر إلى الذهن على سبيل المثال بدايات حدوث التحول في تقييم السلع بأوراق نقدية ما جعلها تقف وراء وقوع الكثير من النزاعات التي نشهدها اليوم، ويعد هذا التحول أحد الأسباب التي تدفع بعض أفراد المجتمع إلى التجاوز على مبادئ ثقافية والقفز على حواجز وضعتها إدارة المنظومة لأجل تنظيم وضبط عملية التفاعل البشري من خلالها.
- توضح كيف يمكن للقيم الاجتماعية أن تؤثر على القرارات الشخصية للأفراد.
وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَاة تَبَخَّرَ فِيَ جَوِّهَا وَانْدَثَرْ
احترام الآخر، وقبول التغيير والتنوع فيما بينهم، نور الإمارات وقبول الاختلافات عوضًا عن تحملها لتحقيق الألفة وأيضًا الوحدة فيما بينهم.
إن الدور الذي تلعبه المؤسسات الثقافية كفيل بأن يجعل منها مصانع لإنتاج الإنسان وجعله فاعلا في محيطه، من خلال مقومات أساسية للثقافة الجمالية: احترام الوقت، والهندام اللائق، والاستقبال الحسن، والابتسامة… وكل ذلك يلعب الفن والأدب دورا رئيسا في تشكيله لدى الطفل، وينمو معه في مسارات الحياة.
- في بعض الحالات، أدى الاعتماد الزائد على التكنولوجيا إلى تراجع التفاعل الإنساني التقليدي، مما أثر على أنماط الشخصية والسلوك الاجتماعي.
يتناول هذا الكتاب العلاقة بين الثقافة والشخصية، مع التركيز على كيفية تأثير المحددات الثقافية في تشكيل سمات الأفراد وسلوكياتهم.